نصر حامد أبو زيد

210

الاتجاه العقلي في التفسير

في التعارف : « زيد قوي على عمله » و « قوي في عمله » و « هو مستعل على عمرو ولعمرو » فلا يمتنع أن يعدّى ناظر بمعنى الانتظار بإلى ، ويقوم مقام اللام في هذا الباب . وليس لأحد أن يقول : فجوّزوا أن يقال في زيد أنه ضارب إلى عمرو ، كما يقال ضارب لعمرو على قياس ما ذكرتم ، وإلّا فيجب بطلان ما ذكرتموه . وذلك أن ما ذكرناه مجاز ، فلا يجب اطراده واستعمال القياس فيه » . 220 . وإذا كانت نيابة الحروف عن بعضها مجازا ، واستعمال « نظر » بمعنى « انتظر » مجازا ثانيا ، وتعلق النظر بالوجوه مجازا ثالثا ، فقد وجدت في الآية ثلاثة مجازات ركب بعضها فوق بعض وهذا مما يأباه المعتزلة عموما ، والقاضي عبد الجبار خصوصا ، حتى أنه منذ قليل أنكر أن تكون « نظر » بمعنى « انتظر » مجازا ، ولكنه عاد فاعترف بها ، ووقع - بالتالي - في أكثر مما حاول الهرب منه . وقع في ثلاثة مجازات حمل عليها الآية ، وكان قد حاول الهرب من مجازين فقط . غير أن هناك تأويلا يورده القاضي قد يعفيه من هذه المجازات التي يأخذ بعضها بخناق بعض ، هو أن « إلى في الآية على ما قيل ، هو ( لا ) حرف الجر ولا حرف التعدية ، وإنما هو واحد الآلاء التي هي النعم ، فكأنه تعالى قال : وجوه يومئذ ناضرة آلاء ربها منتظرة ، ونعمه مترقبة » 221 غير أن هذا التأويل لا يستهوي القاضي عبد الجبار فيما يبدو . وأغلب الظن أنه من اجتهادات شارح الأصول ، لأنه - أي هذا التأويل - لم يرد في « المغني » . وحمل النظر في الآية على الانتظار - بهذه التأويلات المتعددة - لا يريح القاضي فيما يبدو ، ويدفعه - على غير عادته - إلى أن يستشهد بآراء المفسّرين السابقين عليه أمثال مجاهد والحسن البصري فيما ذهبا إليه من أن معنى « النظر » في الآية هو « الانتظار » 222 غير أنه من جانب آخر - وما دام قد قبل من تفسيراتهم ما يؤكّد وجهة نظره - لا يستطيع أن يرفض التفسيرات التي وردت عنهم من طرق أخرى ، والتي قد لا تلتقي تماما مع وجهة نظره . فقد ورد عن مجاهد والحسن البصري وعن غيرهما أمثال ابن عباس وعكرمة والسدى أن النظر في الآية بمعنى النظر الحسي لا الانتظار ولكن الآية - في تفسير هؤلاء جميعا - تعني أن الوجوه ناظرة إلى ثواب اللّه لا إلى اللّه نفسه وهو تأويل ابن عباس ومجاهد . أمّا عكرمة فيرى أن الوجوه ناظرة إلى أمر اللّه ، بينما يرى السدي أنها ناظرة إلى ما يأتي من عند اللّه 223 . وبصرف النظر عن الخلاف بينهم في تحديد المحذوف في الآية ، هل هو الثواب أو الأمر أو ما يأتي ، فإنهم جميعا يتفقون على أن في الآية حذفا ، وذلك حتى لا يقع نظر الوجوه على اللّه عز وجل . ومعنى ذلك أن هناك في التراث التفسيري السابق على القاضي تأويلين للآية : تأويل يتفق مع ما ذهب إليه . وهو ما ورد عن الحسن البصري ومجاهد من أن « النظر » في الآية بمعنى « الانتظار » وهو يقبل هذا